أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

96

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

تقديره : وأمرنا لأن نسلم ، وأن أقيموا . قال ابن عطية : واللفظ يمانعه ، لأن « نسلم » معرب ، و « أَقِيمُوا » مبني ، وعطف المبني على المعرب لا يجوز ، لأن العطف يقتضي التشريك في العامل » . قال الشيخ « 1 » . وما ذكر من أنه لا يعطف المبني على المعرب ، ليس كما ذكر ، بل يجوز ذلك ، نحو : « قام زيد وهذا » وقال تعالى : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ « 2 » ، غاية ما في الباب أن العامل يؤثر في المعرب ، ولا يؤثر في المبني . وتقول : « إن قام زيد ويقصدني أكرمه » ، فإن لم تؤثر في « قام » ، لأنه مبني ، وأثرت في « يقصدني » ، لأنه معرب . ثم قال ابن عطية : اللهم إلا أن يجعل العطف في « أنّ » وحدها ، وذلك قلق ، وإنما يتخرج على أن يقدر قوله : « وَأَنْ أَقِيمُوا » بمعنى : وليقم ، ثم خرجت بلفظ الأمر ، لما في ذلك من جزالة اللفظ ، فجاز العطف على أن نلغي حكم اللفظ ، ونعول على المعنى . ويشبه هذا من جهة ما حكاه يونس عن العرب : « ادخلوا الأول فالأول » ، وإلا فلا يجوز إلا « الأول فالأول » « بالنصب » . قال الشيخ « 3 » : وهذا الذي استدركه بقوله : « اللهم . . . إلى آخره هو الذي أراده الزجاج بعينه ، وهو أنّ « أَنْ أَقِيمُوا » معطوف على أن نسلم ، وأن كليهما علة للمأمور به المحذوف ، وإنما قلق عند ابن عطية ، لأنه أراد بقاء « أَنْ أَقِيمُوا » على معناها من موضوع الأمر ، وليس كذلك ، لأن « أَنْ » إذا دخلت على فعل الأمر ، وكانت المصدرية ، انسبك منها ، ومن الأمر مصدر ، وإذا انسبك منهما مصدر زال معنى الأمر ، وقد أجاز النحويون ، سيبويه « 4 » وغيره « 5 » أن توصل « أَنْ » المصدرية الناصبة للمضارع ، بالماضي والأمر . قال سيبويه « 6 » : « وتقول : « كتبت إليه بأن قم » ، أي : بالقيام ، فإذا كان الحكم كذا كان قوله : لنسلم ، وأن أقيموا ، في تقدير : للإسلام ولإقامة الصلاة . وأما تشبيه ابن عطية له بقوله : « ادخلوا الأول فالأول » ، بالرفع ، فليس بتشبيه ، لأن « ادخلوا » لا يمكن لو أزيل عنه الضمير أن يتسلط على ما بعده ، بخلاف « أَنْ » فإنها توصل بالأمر ، فإذا لا شبه بينهما انتهى » . أما قول الشيخ : إنما قلق عند ابن عطية ، لأنه أراد بقاء « أَنْ أَقِيمُوا » على معناها من موضوع الأمر ، فليس القلق عنده لذلك فقط ، كما حصره الشيخ ، بل لأمر آخر من جهة اللفظ ، وهو أن السياق التركيبي يقتضي على ما قاله الزجاج ، أن يكون : لنسلم ، وأن نقيم ، فيأتي في الفعل الثاني بضمير المتكلم ، فلما لم يقل ذلك قلق عنده ، ويدل على ما ذكرته قول ابن عطية : بمعنى : وليقم ، ثم خرجت بلفظ الأمر . . . إلى آخره . والخامس : أنه محمول على المعنى ، إذ المعنى : قيل لنا : أسلموا ، وأن أقيموا . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 73 ] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 73 ) قوله : وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ . في « يَوْمَ » ثمانية أوجه : أحدها : - وهو قول الزجاج - : أنه مفعول به ، لا ظرف ، وهو معطوف على « الهاء » في « اتّقوه » ، أي : واتّقوا

--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 159 ) . ( 2 ) سورة هود ، آية ( 98 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 159 ) . ( 4 ) انظر الكتاب ( 3 / 135 ) . ( 5 ) انظر المغني ( 1 / 27 - 29 ) . ( 6 ) انظر الكتاب ( 3 / 162 ) .